الأخبار والمستجدات

مفارقة السلاح الصيني: كلفة تعاقد منخفضة مقابل تشغيل مرتفع.. قراءة تحليلية مقارنة في كلفة دورة الحياة مع الأنظمة الغربية

شهد سوق السلاح العالمي خلال العقدين الماضيين تحولات بنيوية، أبرزها تراجع الاحتكار الغربي لصادرات السلاح وظهور موردين جدد، على رأسهم الصين. نجحت بكين في بناء حضور واسع في أسواق الدول النامية، مستندة إلى نموذج تصديري يقوم على جاذبية كلفة التعاقد المنخفضة، ومرونة سياسية، واستعداد للبيع خارج الأطر التي تفرضها الولايات المتحدة وأوروبا.

غير أن التجربة العملية لعدد متزايد من الجيوش تكشف عن مفارقة أساسية: انخفاض كلفة التعاقد لا يعكس بالضرورة الكلفة الحقيقية للسلاح على المدى الطويل. فالصفقة الجذابة عند التعاقد قد تتحول لاحقًا إلى أعباء تشغيلية ولوجستية مكثفة، ما يثير تساؤلات استراتيجية حول الجدوى الاقتصادية والعملياتية.

تهدف هذه الورقة إلى تحليل هذه المفارقة عبر مقارنة كلفة دورة الحياة للسلاح الصيني ونظيره الغربي، بالاستناد إلى نماذج تحليلية وتجارب تشغيلية ومؤشرات كمية، بعيدًا عن الاكتفاء بكلفة التعاقد وحدها.

كلفة التعاقد كأداة اختراق للسوق

تعتمد الصين في تصدير أسلحتها على تقديم منظومات تقل كلفة التعاقد عليها بنسبة تتراوح بين 25 و40% مقارنة بنظيراتها الغربية، خصوصًا في الطائرات المقاتلة الخفيفة، والمسيّرات، والمدرعات، وأنظمة الدفاع الجوي متوسطة المدى. يُعزَّز ذلك بمرونة التمويل، وسرعة الإجراءات، وغياب القيود السياسية الصارمة.

بالنسبة لدول ذات ميزانيات محدودة أو تواجه قيودًا سياسية، يبدو هذا النموذج جذابًا لتحديث القدرات العسكرية بسرعة. لكن التركيز على كلفة التعاقد وحدها يتجاهل الكلفة الأكبر المتراكمة خلال سنوات التشغيل، وهي الكلفة التي تحدد فعليًا الجدوى الاقتصادية للاستثمار الدفاعي.

تفسير حلم ابن سيرين

كلفة دورة الحياة: الإطار التحليلي

يُعد مفهوم كلفة دورة الحياة (Life Cycle Cost) الإطار الأدق لتقييم المنظومات العسكرية، إذ يشمل التشغيل والصيانة، وقطع الغيار، والدعم الفني، والتدريب، والتحديث، وفترات التوقف عن الخدمة، وصولًا إلى إحالة السلاح من الخدمة.

تشير دراسات في حلف شمال الأطلسي ومراكز أبحاث دفاعية إلى أن التشغيل والصيانة قد تمثل 60–75% من الكلفة الإجمالية للمنظومات المعقدة، لا سيما الجوية والبحرية. عند هذا المستوى، تبدأ الفروق بين السلاح الصيني والغربي في الظهور بوضوح.

التشغيل والصيانة: شواهد تطبيقية

أولاً: المجال البحري

أظهرت تجارب فرقاطات صينية مصدَّرة إلى دول آسيوية وأفريقية أن انخفاض كلفة التعاقد لم يمنع ظهور تحديات متعلقة بموثوقية الأنظمة وتأخر توريد قطع الغيار. أدى ذلك إلى فترات توقف أطول من المتوقع وانخفاض الجاهزية البحرية.

في المقابل، حافظت فرقاطات غربية على جاهزية أعلى بفضل سلاسل إمداد مستقرة، برامج صيانة ناضجة، وشبكات دعم إقليمية.

ثانياً: القوة الجوية والدفاع الجوي

رغم تسويق أنظمة صينية مثل HQ-9 كبدائل أقل كلفة، أظهرت تجارب تشغيلية في باكستان ونيجيريا تحديات تتعلق بالاستدامة الفنية والتكامل مع شبكات القيادة والسيطرة، خصوصًا في البيئات التي تتطلب تشغيلًا مستمرًا.

مقارنة واقعية: JF-17 vs F-16

مقاتلة JF-17 Thunder، المطوَّرة بالشراكة بين الصين وباكستان، نموذج واضح لمعادلة السعر المنخفض مقابل التحديات التشغيلية لاحقًا. سنوات التشغيل الأولى كشفت عن مشاكل في توافر قطع الغيار، ارتفاع معدلات الأعطال، والحاجة المستمرة لدعم فني خارجي، ما أدى إلى انخفاض ملموس في نسب الجاهزية.

أما F-16 Fighting Falcon الغربية، فتظهر فلسفة مختلفة: رغم كلفة التعاقد المرتفعة، حافظت على نسب جاهزية مستقرة مدعومة بشبكة دعم عالمية، موردين متعددين، وبرامج تحديث مرحلية تمدد العمر التشغيلي وتحسن الأداء.

هذه المقارنة تعكس مفارقة كلفة دورة الحياة: السلاح الأقل كلفة عند التعاقد قد يتحول إلى خيار أعلى كلفة وأقل موثوقية على المدى الطويل.

ثالثاً: المسيّرات والرادارات

أظهرت بعض الطائرات المسيّرة والرادارات الصينية أداءً مقبولًا في التشغيل الأولي، لكنها تحتاج إلى دعم فني مكثف للحفاظ على الاستقرار والدقة مع مرور الوقت، خاصة في البيئات القاسية. بالمقابل، استفادت الأنظمة الغربية من نضج تقني أطول ومعايير توحيد أعلى، ما انعكس في استقرار الأداء وانخفاض الأعطال.

الجاهزية العملياتية: مؤشر حاسم للأداء والكلفة

الجاهزية العملياتية هي نسبة المنصات العسكرية القادرة فعليًا على أداء مهامها في أي وقت. تُعد هذه النسبة مؤشرًا حاسمًا لأنها تحدد القدرة الفعلية للقوات على الاستجابة السريعة في حالات الطوارئ، سواء في السلم أو النزاع.

تشير التجارب الواقعية إلى أن بعض الأنظمة الصينية، مثل JF-17 أو الفرقاطات المصدّرة إلى باكستان ونيجيريا، تعاني من تذبذب ملحوظ في الجاهزية. هذا التذبذب يفرض تشغيل عدد أكبر من الوحدات لتحقيق مستوى الاستعداد نفسه الذي توفره المنظومات الغربية الأقل عددًا، ما يزيد الكلفة الإجمالية ويقلل أي وفورات أولية حققت عند التعاقد.

في المقابل، تحافظ الأنظمة الغربية، مثل F-16 وPatriot وفرقاطات أوروبية وأمريكية، على نسب جاهزية مستقرة تتراوح بين 70 و85% في ظروف التشغيل العادية. هذا الاستقرار يعزز القدرة على التخطيط للعمليات، يقلل التوقفات غير المخطط لها، ويتيح ضبط الكلفة التشغيلية على المدى الطويل.

البيئة التشغيلية وتأثيرها على الجاهزية:

في مناطق مثل الخليج، تتسم البيئة بالقسوة: درجات حرارة مرتفعة، رطوبة عالية، وغبار كثيف، إضافة إلى وتيرة تشغيل مستمرة للطائرات والسفن. أي انخفاض في الجاهزية التشغيلية يزيد المخاطر الاستراتيجية، لأنه يتطلب وحدات إضافية لتعويض العجز، مما يرفع الكلفة ويقيد القدرة على المناورة العملياتية.

القوات الجوية والبحرية الخليجية، نظرًا لاعتمادها على التشغيل البيني مع الحلفاء، تحتاج إلى جاهزية عالية ومستقرة. في هذا السياق، أي اعتماد على أنظمة منخفضة السعر لكنها تعاني من صعوبات في الجاهزية يمكن أن يؤدي إلى فقدان فاعلية التكتلات الدفاعية وتقليل القدرة على الاستجابة السريعة للأزمات.

سلاسل الإمداد والتبعية اللوجستية

تمثل سلاسل الإمداد نقطة ضعف بنيوية في صادرات السلاح الصينية. يشكو المستخدمون من بطء توريد قطع الغيار، تعقيد الإجراءات، وأولوية تلبية احتياجات الجيش الصيني. يؤدي ذلك إلى ارتفاع كلفة التوقف عن الخدمة وتقيد حرية القرار العملياتي في الأزمات.

الأنظمة الغربية تعتمد على شبكات توريد عالمية، مخازن إقليمية، وتعدد الموردين، ما يقلل المخاطر اللوجستية ويعزز القدرة على الاستجابة.

كلفة دورة الحياة بالأرقام التقديرية

عند احتساب كلفة دورة الحياة على مدى 20–25 عامًا، تُظهر نماذج تحليلية أن الكلفة الإجمالية لبعض الأنظمة الصينية قد تصل إلى 120–140% من قيمة التعاقد، نتيجة الصيانة المكثفة وتكرار الاستبدال وانخفاض الجاهزية. بالمقابل، تتراوح الكلفة الإجمالية للأنظمة الغربية بين 90–110%، بفضل الاستدامة وبرامج التحديث المنتظمة.

البعد الخليجي

في نماذج القوات التي تعتمد على جاهزية مرتفعة واستجابة سريعة، لا تُعد الجاهزية العملياتية مؤشرًا تقنيًا فحسب، بل عنصرًا حاسمًا في تصميم بنية القوة نفسها. فالمنظومات التي تعاني من تذبذب في نسب الجاهزية تفرض على الجيوش امتلاك أعداد أكبر من الوحدات لتحقيق مستوى الاستعداد نفسه، ما يؤدي إلى تضخم الحجم، وزيادة الأعباء البشرية واللوجستية، وارتفاع الكلفة الكلية على المدى الطويل.

وبالنسبة للقوات التي تبني عقيدتها على القدرة على الحشد السريع والردع المستمر، فإن عدم استقرار الجاهزية يقوّض افتراضات التخطيط العملياتي، ويقلل الكتلة القتالية الفعلية المتاحة في لحظات الأزمات. في هذا السياق، قد تبدو المنظومات الأقل كلفة عند التعاقد خيارًا اقتصاديًا، لكنها عمليًا تفرض اختلالات هيكلية تقلل المرونة العملياتية وتضعف القدرة على إدارة الأزمات بكفاءة.

تكشف المقارنة بين السلاح الصيني والغربي أن كلفة التعاقد وحدها ليست معيارًا كافيًا للحكم على جدوى السلاح. السلاح الصيني يوفر حلًا منخفض الكلفة ظاهريًا، لكنه غالبًا ما يفرض أعباء تشغيلية ولوجستية متراكمة تؤدي إلى تآكل الوفورات الأولية، وقد تخفض الجاهزية.

القرار الرشيد في التعاقدات الدفاعية يجب أن يستند إلى تحليل شامل لكلفة دورة الحياة، الجاهزية العملياتية، والتبعية اللوجستية، لا إلى السعر الابتدائي وحده. فالصفقة الأقل كلفة عند التوقيع ليست بالضرورة الأجدى على المدى الطويل.

نقلا عن موقع دفاع العرب

اللواء ماجد القيسي – لواء عراقي متقاعد وخبير بالشؤون الاستراتيجية والأمنية والعسكرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *